"الهيبز" موجة غيرت الحلم الاميركي ومجتمعات اوروبا المحافظة
ثورة اجتماعية بلورت فلسفة جديدة عنوانها الفوضى والحرية والمخدرات
فاطمة حوحو
انهم جيل الستينات بإمتياز، الذين انطبعت سنوات ذلك العقد بحركتهم، شبان وشابات تمردوا على شىء، يعودون الى العيش المتواضع، يهربون من مظاهر المدنية المتوحشة، بعيدا عن الاهل وعن القيم التقليدية التي دمرت ارواحهم وأودت بالكثيرين منهم الى الموت في حرب يكرهونها. خرجوا الى الطبيعة فارين من سطوة السلطة، كل سلطة، سياسية كانت ام دينية ام اجتماعية ام ثقافية.
انهم الهيبيون، الذين اطاولوا شعورهم وسوالفهم وارتدوا الالبسة الغجرية الموردة، خلعوا من عقولهم الافكار السائدة وجربوا كل شىء، بما في ذلك «الماريجوانا» ليشعروا بأنفسهم ويثبتوا لانفسهم أولا وللجميع ثانيا، انهم مستقلون، احرار، متفلتون من كل قيد مادي ام معنوي، يعيدون اكتشاف العالم على طريقتهم، بالموسيقى والشعر والجنس والسفر.
«الهيبي» تعبير مرادف لـ «baba cool» شاع خلال الستينات، في فترة كان العالم يغلي فيها بتغييرات كبيرة ويعيش فترة صعود في التطور الصناعي لاسيما صناعة الاسلحة بعد حرب عالمية، دمرت البشر والحجر وبعد تجارب القمع في المجتمعات الاوروبية لاسيما النازية والفاشية والستالينية، كانت الولايات المتحدة الاميركية، التي ولدت فيها هذه الحركة في نيويورك بداية مع مثقفين وشعراء وكتاب كانوا يطلق عليهم «البيتكنس»، الا ان المدينة نبذتهم ونبذت اصدقائهم المراهقين غرباء الاطوار الرافضين للسائد والباحثين عن احلام الحب والسلام بعيدا عن المال وجمع الثروات التي ميزت الطبقة المتوسطة والاغنياء وجعلت اولادهم يشعرون بخواء نفسي من جراء الممارسات الاجتماعية الخانقة والمحافظة التي كانت تضيق عليهم.
كانت الولايات المتحدة تعيش تطورات مختلفة والمجتمع العالمي يعيش ثورة علمية، من اختراع الآلات المنزلية الحديثة الى حبوب منع الحمل التي حررت النساء من رهبة ممارسة الحب الحر وسمحت لهم العيش بحرية، بعيدا عن هموم الحمل غير المرغوب ومآسيه، ما دفع النساء الى التحرر من عقد التواصل مع الجنس الآخر فكريا وجسديا، وتزامن ذلك مع نمو الحركات السياسية اليسارية بتأثير الافكار الشيوعية ونمو مؤسسات وهيئات المجتمع المدني التي كانت تدعو الى التغيير وحماية البيئة واعطاء الطبقات الدنيا حقوقا متساوية للعمال والسود والنساء.
مجموعات شبابية من عمر 51 الى ال 52، اجيال ولدت بعد الحرب، كانت تتوق للسلام والامان النفسي الذي لم يكن متوافرا بفعل حرب فيتنام، المجتمع الصناعي والرأسمالية المتوحشة كما اطلق عليها لم تكن لتشعرهم بمستقبل مستقر وآمن بعيدا عن تهديدات الحرب، كما لم تشعرهم ثورة اختراع الماكينات المنزلية المتطورة بوجودهم كبشر.
في مدينة سان فرانسيسكو تجمعوا للتفلت من قيود المجتمع، وسط تحركات سياسية وحركة مجتمع مدني صاعدة وتظاهرات ضد حرب فيتنام والمساواة القانونية بين السود والبيض.
أجيال، تهرب من المجتمع الاستهلاكي وكل ما يرتبط به، يبحث عن روحه في فلسفات جديدة، يقترب من الشرق، يعود الى الطبيعة، أبناء الاغنياء يرفضون القيم المحافظة والمتوارثة، يبحثون في عالم الموسيقى والطبيعة عن حرية اجسادهم وارواحهم، يعيدون اكتشاف العالم على طريقتهم، سفر عبر المدن المحلية وسفر عبر القارات، في الشارع يمارسون حياتهم ، يدخنون «الماريجوانا» للشعور بمزيد من اللذة، يتعرفون على بعضهم البعض، يناقشون الدواخل الانسانية، يعيدون اكتشاف الاشياء ويستمتعون بفوضاهم.
اجيال لم تحسب حسابات السلاح النووي والعنف الاميركي، يهربون من المصائر المكتوبة والمخططة نحو أحلام طوباوية ربما، الا انها كانت تشعرهم بالسعادة، معارف جديدة في قاموسهم الثقافي، موسيقى مختلفة، شعر غريب، وكتابات وابداعات متفلتة من السائد في عالمهم السوريالي.
في الحدائق العامة كانوا يبحثون عن معنى لحياتهم، الشك بكل السلطات مبدأهم، لا يريدون غسل أدمغتهم في المراكز الدينية، يطمحون الى التواصل مع شباب العالم ليبنوا جسورا من المحبة واخوة عالمية عنوانها السلام والوقوف الى جانب الضعفاء.
كان تأثرهم بحركة «البيتكنس» الشعرية المتمردة واضحة وجلية، من رواد هذه الحركة كان الشاعر الشهير آلان غينسبرغ صديق الشاعر وليم كارلوس وليامز والروائي جاك كيرواك والمغني بوب ديلان، الصديق الذي قدم اغان من نوع جديد تمردا على الاغاني الاميركية التقليدية، ورافقه غينسبرغ في جولات موسيقية في تجمعات «الهيبز» في ولايات عدة.
الشعر كان حاضرا ،ايضا قراءات لقصائد في تجمعات جماهيرية في المدن والشواطىء الاميركية، كان التعبير عن لغتها المتميزة والمختلفة والمعبرة بارزة جدا في قصيدة «عواء» التي كتبها غينسبرغ. هنا نصها:
«أي أبي هول من الإسمنت والألمنيوم شظّى جماجمهَم وافترس أدمغتهم ومخيّلاتهم؟
مولوخ عزلةٌ! قذارةٌ! بشاعةٌ! براميلُ قمامة ودولاراتٌ بعيدةُ المنال! أطفالٌ يزعقون تحت السلالم!
صبية ينشجون في الجيوش! شيوخ ينتحبون في المنتزهات!
مولوخ! مولوخ! كابوس مولوخ! مولوخ سيّد البغضاء! مولوخ الفكري! مولوخ قاضي البشر الصارم!
مولوخ السجن العصيّ على الخيال! مولوخ الحبس الشاقّ بعلامةالموت ذي العظمتين المتقاطعتين وكونغرس المآسي! مولوخ الذي مبانيه يوم الدينونة! مولوخ الحجر الضخم للحرب! مولوخ الحكومات المصعوقة!
مولوخ الذي عقله آلية خالصة! مولوخ الذي دمُهُ مالٌ جارٍ! مولوخ الذي أصابعه عشرة جيوش! مولوخ الذي صدره دينامو آكلٌ لحومِ البشر! مولوخ الذي أذنُهُ قبرٌ يعلوه الدخان!
مولوخ الذي عيونه ألف نافذة عمياء! مولوخ الذي ناطحات سحابه تنتصبُ في الشوارع المديدة كعدد لانهائي من يهوه! مولوخ الذي مصانعه تحلم وتنعق في الضباب! مولوخ الذي مداخنه وهوائياته تتوّج المدن!
مولوخ الذي ولعه نفط وحجر بلا نهاية! مولوخ الذي روحه كهرباء ومصارف! مولوخ الذي فقره شبح العبقرية! مولوخ الذي قدره سحابة من الهيدروجين لا جنس لها! مولوخ الذي إسمه العقل!
مولوخ الذي فيه أقبع وحيداً! مولوخ الذي فيه أحلم بملائكة!
مصروع في مولوخ! مصّاص الذكور في مولوخ! محروم الحبّ ومخنّث في مولوخ!
مولوخ الذي باكراً اقتحم روحي! مولوخ الذي أنا فيه وعي بلا جسد! مولوخ الذي أرعبني وصدّني عن نشوتي الطبيعية! مولوخ الذي أهجره! أصحو في مولوخ! نور يشعّ من السماء!
مولوخ! مولوخ! شقق رّبوطات! ضواحي لامرئية! كنوز هياكل عظمية! رساميل عمياء! صناعات شيطانية! أمم وهمية! مستشفيات مجانين محصّنة! أعضاء ذكوريّة من الغرانيت! قنابل مَهُولة!
قصموا ظهورهم رافعين مولوخ إلى السماء! أرصفة، أشجار، راديوات، أطنان! رافعين المدينة إلى السماء التي تدوام على وجودها وتحيطنا من كل حدب وصوب!
رؤى! تكّهنات! هلوسات! معجزات! نشوات! غاصتْ في النهر الأميركي!
أحلام! عبادات! إشراقات! ديانات! حمولة المركب كلها من القذارات الحسّاسة!
إختراقات! على طول النهر! تشقلبات وحوادث صلب! غرقت في الطوفان!
سَكَراتٌ! أعيادُ غطاس! حالاتُ يأسٍ! صرخاتٌ حيوانية وإنتحارات لعشر من السنوات! عقولٌ! غراميات جديدة! جيلٌ مجنون! انهواءً على صخور الزمن!
قهقهة مقدّسة حقيقية في النهر! رأوها برمّتها! العيون الوحشية! الصيحات المباركة! قالوا الوداع! وثبوا من السقف! إلى العزلة! ملوّحين! حاملين زهوراً! هابطين إلى النهر! فالشارع».
ومولوخ الذي يتحدث عنه غينسبرغ هو حاكم البشرية الصارم الذي يدمر المعطيات الاكثر خيرا واصالة في الطبيعة.
كانت الحلقات الشعرية الحاشدة التي ينظمونها مهرجانا لحرية فكرية وجسدية لجيل من الشباب الاميركي المنفجر في ثورة سلمية ضد المجتمع والسياسة، شعرية حية هي موجة «الهيبز»، لم يعرف مثلها تاريخ اميركا المعاصر في تحولاته الاجتماعية احدثت هذه الظاهرة ما يشبه الزلزال. أسماء كثيرة من نخب ارتبطت بها امثال غاري ستايدر وغريغوري كورسو ولورنس فرلنفيتي وبيتر اورلوفسكي وكينيث ركسروت وروبرت دانكن ونيل كاسيدي ووليم بوروز.
في نص معبر كتب هيبي يدعى جيري روبن في العام 1791 بعنوان «ثورة من جانب الصخرة» يمكننا استشفاف ما كان يريده الشباب في ذلك الحين من المجتمع ومن آبائهم وأمهاتهم، إنهم بريدون الابتكار، يريدون شيئا جديدا، شيئا غير تقليدي: «يشاهد والدي بفخر منزله وسيارته، الة قص الاعشاب، أشياء تبرر حياته، كان يحاول ان يعلمنا بشكل جيد. كان يريد ان يجعلنا نؤمن بأن الحق يسير على الجانب الايمن من النجاح، اعملوا لا تلعبوا، ادرسوا لا تلهو، اطيعوا لا تطرحوا الاسئلة، اندمجوا لا تراقبوا، كونوا صارمين لا تدخنوا الحشيشة، اكسبا المال لا تؤلفوا القصص، لم نكن نعرف ما أصبح عليه، كيف وصل الى فهم الضرورة الصعبة لشراء الاشياء الاغلى ثمنا، من أجل قطع الاعشاب التي كانت تعلو اكثر بعد قصها، وكلما طالت كلما طال المقص الذي يستخدمه والدي لقطع الاعشاب، اصبح مجنونا، لم يعد بامكانه الامساك بها، انه صورة عن ايزنهاور الذي كان يقال عنه «papa gateau»، الآلات كانت تريد قتل طاقاتنا وأجسادنا الفتية».
يعكس هذا النص حالة الغليان الداخلي والرغبة في اطلاق العواطف واطلاق الامل والخروج من الوحدة، لقد سئم الشباب النظام القائم، مل من تكرار الاشياء نفسها المتوارثة ابا عن جد، كان الاهل يعتقدون انهم بحاجة الى القوة في تربية أبنائهم وإجبارهم على ممارسات اجتماعية لا ترضيهم. ربما كان الاهل بحاجة الى قليل من الحكمة لفهم تمردهم وعدم ادخالهم في النموذج او «النظام» أي ما يطلق عليه ال«system»، كان عناد الاهل واضحا، كانوا يريدون المزيد من المال والممتلكات، أهدافهم في الحياة كانوا يريدونها أهدافا لابنائهم، لكن لهؤلاء وجهة نظر مختلفة للحياة التي يريدونها، كانوا يريدون الاستماع الى موسيقى جديدة وتغيير افكار العالم.
ويمكن لكلمات أغنية جون لينون أحد مشاهير فرقة «البيتلرز» البريطانية التي عرفت شهرة غريبة ما زالت حتى اليوم، وسمي اعضاؤها بــ «الخنافس»، أن تكون خير معبر وهي اغنية «السلام والحب»، وهي العبارة التي كان كررها الهيبيون أكثر من مرة وكانت دعوة واضحة لممارسة الحب لا الحرب، لاسيما بالنسبة الى الهيبين الاميركيين الذين رفضوا دعوات المشاركة في الحرب ووقفوا ضد التجنيد الإلزامي، مما شكل صدمة للمتشددين الاميركيين اصحاب شعارات تفوق الوطن الأميركي.
وتقول كلمات أغنية لينون: «تصور الا يكون هناك ممتلكات، تساءل ان كنت تستطيع، لا حاجة الى الطمع أو الجوع، مجرد أخوة بين الناس».
رفع الهيبون علامة السلام باصابعهم على شكل «V»، وكان المرشح الديموقراطي للانتخابات الرئاسية الاميركية يوجين ماكارثي قد خاض حملته الانتخابية تحت شعار معارضة الحرب، مؤيدا من المتمردون.
ترافق شعار الحب والسلام الذي رفعوه مع شعار «زهرة القوة» ، وترمز الى السلطة، ولعل العالم لا ينسى اليوم تلك الصورة الشهيرة التي اظهرت شابا من الهيبز يحمل زهرة في احدى المواجهات مع ضباط الشرطة والحرس الوطني الاميركي وهم يوجهون اليه اسلحتهم وفي حالة استعداد كامل لاطلاق النار، كان رمز الزهرة تعبير عن الرغبة في حب الوطن وحب الجار ، وهذا ما يمكن تحقيقه من دون سلاح او عنف، بل بالحب فقط.
كان «الهيبيون» مقتنعون بان الغفران والتسامح ومحبة الجيران والسلام بين الدول هي مثل عليا قابلة للتنفيذ. تشبه الهيبيون بأشكالهم بشكل «السيد المسيح» الذين كانوا يعتبرونه «الهيبي الاول»، وكانوا يشيرون الى الافكار الجيدة في الدين المسيحي، لاسيما التسامح، وكانوا يميلون الى التأمل، كثيرون استكشفوا «البوذية»، مع انها ثقافة شرقية غريبة عن عالمهم الثقافي، لكنهم اغرموا بسحرها وحكمتها وأثرت بهم، كانوا يقربون المسافات بين الثقافتين الغربية والشرقية، وهذا ما دفع بحركتهم الى الانتشار في معظم بلدان أوروبا وفي الغرب العربي وكذلك في مصر ولبنان بأشكال مختلفة، اذ برزت فرقا موسيقية شبيهة بـ «فرقة الخنافس» وإن كانت لم تعرف النجاح والشهرة، وكان الهيبيون يتجمعون في بعض اماكن اللهو والسهر ويمارسون طقوسا بعيدا عن اعين الاهل، كثيرون من هؤلاء كان لديهم افكارا سياسية يسارية متطرفة، شاعت في أوساط الشباب، قبل ان تنتظم في اطارات حزبية ضيقة وتقضي عليها البيروقراطية وسياسة المصالح الشخصية.
اعتقد الهبيون ان الناس كانوا يذهبون الي الكنائس لاعتراف أو يصلون من أجل انقاذ بلادهم، كانوا يدركون ضمنا ان حرب فيتنام خطأ، وان الهيبين كانوا يسعون الي عالم افضل، خاليا من الكذب الاجتماعي، يسعون الى السعادة والمساوان والسلام».
مجموعات الهيبين انتشرفي في اليونان وتركيا والهند والمغرب وفرنسا والسويد والدانمرك وهولندا لتتحول الظاهرة الاميركية الى ظاهرة عالمية وتطبع عصر الستينات بطابعها. كانت الحدائق العامة والغابات مراكز لتجمعاتهم، هناك كانوا يعيشون حياتهم أحرار من كل القيود، يرفضون تلويث الطبيعة بمداخن المصانع التي تنتج ادوات الحرب الغنى.
رحلوا من بلد لآخر لينشروا افكارهم ضد المجتمعات الاستهلاكية، كانوا يحتقرون المجتمع الصناعي والربح المادي ويسعون الى عيش بدائي في تكافل مع الطبيعة.
مجموعات منهم كانت تعيش مع بعضها البعض شبانا وفتيات في منازل مهجورة، وتلاحق من قبل الشرطة بتهم السرقة والمخدرات والعلاقات غير الشرعية او المحرمة، لجاؤا الى الجبال والريف، انفصلوا عن الحياة المدنية، بعضهم ادرك لاحقا ان التجربة كانت اضغاث احلام، ضربا من الخيال.
ادرك البعض ان حاجته الى الاستقلالية والفردية لم تكن خطأ لكن المجتمع الذين لجاؤا اليه في الريف كان قاسيا عليهم وينبذهم، مما كان يصعب الامور في اقامة صلات جيدة، تسهل علاقات الجيرة. لم تفهم دعوتهم من قبل الريفيين وتحدياتهم لم تكن لتلقى صدى ايجابيا، لم يعرفوا ان دعوتهم للحياة والحرية لن تفهم في مجتمع محكوم بالنفاق والاغتراب والوحدة والملل.
في مهرجاناتهم التي اقاموها كسروا المحرمات، تلوا الشعر ضد الحرب، ظهروا عراة في مدينة ودستووك الاميركية في العام 9691، يسبحون نساء ورجالا على الشاطىء، صدمة أخرى للمجتمع، استخدمت صورهم في الاعلام ضد حقيقة اهدافهم، قوة «الميديا» الاعلامية للنظام لم تكن لصالهم على الاطلاق، لم يستطيعوا توضيح الصورة، بان ما كان يقومون به ليس مسألة اخلاقية، بل تعبيرا عن موقف.
اشهر الافلام السينمائية التي صورت تجربة «الهيبز» كان فيلم «hair» من إخراج المخرج الاميركي ميلوس فورمان، ظهر في العام 7791، شكل الفيلم ادانة واضحة لاميركا ضد حرب فيتنام والتجنيد الاجباري والموت استشهادا في بلاد غريبة.
بحثوا عن عالم جديد. مجموعات سافرت الى دول آسيا لاسكتشاف ثقافة الفقراء في الهند ونيبال وباكستان، هناك كانوا يسترخون، يتأملون ويمشون تحت المطر ويمارسون رياضة «اليوغا» الروحية.
تأثر الهيبون الاميركيون بكتابات غينسبرغ ووالت وايتمان، كتابات كانت تدعو الى تحرير الارادة والافكار، تروج للفوضى، وتحث على استكشاف الذات، تريد العالم من دون سلطة، لكن هل يعقل هذا؟!.
تميزت ملابسهم بالعودة الى الاصول، ارتدوا السترات الهندية والافغانية، وسروايل مطرزة، وتنانير مزهرة وملونة، ووضعوا النظارات وانتعلوا الصنادل المفتوحة، دون اكعاب، وتزينوا بالقلائد الجلدية وخواتم زجاجية، وعلقوا شاراتهم، اطال الشباب لحاهم وقصت الفتيات شعورها، ولالغاء التمييز بين الجنسين اطال الشباب شعورهم، باختصار كان لهم اسلوب في اللباس اي ما يسمى «style and look» يعبر عن غرابة اطوارهم، يكسرون من خلاله نمط اللباس العادي، ويظهرون بهيئة جميلة رغم غرابتها، لاسيما النساء اصحاب التنانير الواسعة المعرقة بالورود. كان لباسهم ايضا معبرا عن معارضتهم البرجوازية.
اما المخدرات التي كانوا يتناولونها فهي «الماريجوانا» و«الحشيشة» وحبوب الهلوسة المعروفة بــ «LSD» ولم تكن كافة مجموعات الهيبز تخوض تجربة المخدرات، لا بل ان تعاطيها كان نادرا في بعض المجموعات، فيما كانت هناك ظاهرة ادمان عند آخرين. عبر احد الهيبين عن الامر بالقول: «المخدرات هي دين القرن الحادي والعشرين»، واخر اعتبرها نوع من الوهم.
ربما كانت الموسيقى الفعل الاهم لدى الهيبز، في بداية السبعينات استمعوا الى موسيق« الروك والبلوز وللكلمات البسيطة والحساسة لفرقة البتلرز، وفرق اخرى اشتهرت مثل االبواب والبانك ورولينغ ستون التي كان مغنيها مايك جاغر.
في مهرجان مدينة وودستوك الذي استمر 3 ايام في صيف 96 الذي كان اكبر تجمع للهيبز حضره حوالي 000007 الف شخص من الولايات المتحدة واوروبا من اجل ان يروا ويستمعوا للموسيقى وليتحدثوا عن المواضيع التي تصل القلوب بعضها ببعض عن حقوق الانسان وعن المحبة.
تناولت وسائل الاعلام ظاهرة «الهيبز» كظاهرة إجتماعية، ولم يكن هناك بالاجمال نقد سلبي، بل محاولة لتحليل حركة احتجاج هامشية. ولاقت هذه الحركة انتقادات من قبل الثراياء لمجرد انها كانت معارضة لهم، وكان البعض ينتقد موقف الاهالي من اطفالهم الصغار الذين اسيئت معاملتهم.
هل يمكن اعتبار ظاهرة «الهيبز» ثورة ام تحدي؟.
لم يفهم الهيبيون لماذا تم اظهارهم فقط كأفراد متحررين جنسيا ومما صدم المجتمع تصويرهم في السينما والتلفزيون والاعلام على هذه الصورة وليس كمناهضين للعنف والحرب ومتبنين لافكار المقاومة السلمية كما كان يؤمن بها غاندي واللاعنف، وانهم كانوا مدركين بكل بساطة بأن الشكل الوحيد للعلاقة بين البشر هو الحب.
العديد من مجموعات «الهيبز» لاسيما في الولايات المتحدة الاميركية عملت على ضمان ايقاف الحرب في فييتنام والتخلي عن الالتزامات بهذه الحرب لان اهراق الدم يجب يتوقف.
ولهذه الغاية عملت نظمت اعتصامات تم قمعها بواسطة الهراوات من قبل الشرطة وتم حملة اعتقالات واسعة في صفوفهم، وكانت الشرطة تبحث عن تهم أمنية كي تلصقها بهم لابقائهم داخل السجن اكثر فترة ممكنة وتخويفهم وكذلك الضغط على اهاليهم
ثورة اجتماعية بلورت فلسفة جديدة عنوانها الفوضى والحرية والمخدرات
فاطمة حوحو
انهم جيل الستينات بإمتياز، الذين انطبعت سنوات ذلك العقد بحركتهم، شبان وشابات تمردوا على شىء، يعودون الى العيش المتواضع، يهربون من مظاهر المدنية المتوحشة، بعيدا عن الاهل وعن القيم التقليدية التي دمرت ارواحهم وأودت بالكثيرين منهم الى الموت في حرب يكرهونها. خرجوا الى الطبيعة فارين من سطوة السلطة، كل سلطة، سياسية كانت ام دينية ام اجتماعية ام ثقافية.
انهم الهيبيون، الذين اطاولوا شعورهم وسوالفهم وارتدوا الالبسة الغجرية الموردة، خلعوا من عقولهم الافكار السائدة وجربوا كل شىء، بما في ذلك «الماريجوانا» ليشعروا بأنفسهم ويثبتوا لانفسهم أولا وللجميع ثانيا، انهم مستقلون، احرار، متفلتون من كل قيد مادي ام معنوي، يعيدون اكتشاف العالم على طريقتهم، بالموسيقى والشعر والجنس والسفر.
«الهيبي» تعبير مرادف لـ «baba cool» شاع خلال الستينات، في فترة كان العالم يغلي فيها بتغييرات كبيرة ويعيش فترة صعود في التطور الصناعي لاسيما صناعة الاسلحة بعد حرب عالمية، دمرت البشر والحجر وبعد تجارب القمع في المجتمعات الاوروبية لاسيما النازية والفاشية والستالينية، كانت الولايات المتحدة الاميركية، التي ولدت فيها هذه الحركة في نيويورك بداية مع مثقفين وشعراء وكتاب كانوا يطلق عليهم «البيتكنس»، الا ان المدينة نبذتهم ونبذت اصدقائهم المراهقين غرباء الاطوار الرافضين للسائد والباحثين عن احلام الحب والسلام بعيدا عن المال وجمع الثروات التي ميزت الطبقة المتوسطة والاغنياء وجعلت اولادهم يشعرون بخواء نفسي من جراء الممارسات الاجتماعية الخانقة والمحافظة التي كانت تضيق عليهم.
كانت الولايات المتحدة تعيش تطورات مختلفة والمجتمع العالمي يعيش ثورة علمية، من اختراع الآلات المنزلية الحديثة الى حبوب منع الحمل التي حررت النساء من رهبة ممارسة الحب الحر وسمحت لهم العيش بحرية، بعيدا عن هموم الحمل غير المرغوب ومآسيه، ما دفع النساء الى التحرر من عقد التواصل مع الجنس الآخر فكريا وجسديا، وتزامن ذلك مع نمو الحركات السياسية اليسارية بتأثير الافكار الشيوعية ونمو مؤسسات وهيئات المجتمع المدني التي كانت تدعو الى التغيير وحماية البيئة واعطاء الطبقات الدنيا حقوقا متساوية للعمال والسود والنساء.
مجموعات شبابية من عمر 51 الى ال 52، اجيال ولدت بعد الحرب، كانت تتوق للسلام والامان النفسي الذي لم يكن متوافرا بفعل حرب فيتنام، المجتمع الصناعي والرأسمالية المتوحشة كما اطلق عليها لم تكن لتشعرهم بمستقبل مستقر وآمن بعيدا عن تهديدات الحرب، كما لم تشعرهم ثورة اختراع الماكينات المنزلية المتطورة بوجودهم كبشر.
في مدينة سان فرانسيسكو تجمعوا للتفلت من قيود المجتمع، وسط تحركات سياسية وحركة مجتمع مدني صاعدة وتظاهرات ضد حرب فيتنام والمساواة القانونية بين السود والبيض.
أجيال، تهرب من المجتمع الاستهلاكي وكل ما يرتبط به، يبحث عن روحه في فلسفات جديدة، يقترب من الشرق، يعود الى الطبيعة، أبناء الاغنياء يرفضون القيم المحافظة والمتوارثة، يبحثون في عالم الموسيقى والطبيعة عن حرية اجسادهم وارواحهم، يعيدون اكتشاف العالم على طريقتهم، سفر عبر المدن المحلية وسفر عبر القارات، في الشارع يمارسون حياتهم ، يدخنون «الماريجوانا» للشعور بمزيد من اللذة، يتعرفون على بعضهم البعض، يناقشون الدواخل الانسانية، يعيدون اكتشاف الاشياء ويستمتعون بفوضاهم.
اجيال لم تحسب حسابات السلاح النووي والعنف الاميركي، يهربون من المصائر المكتوبة والمخططة نحو أحلام طوباوية ربما، الا انها كانت تشعرهم بالسعادة، معارف جديدة في قاموسهم الثقافي، موسيقى مختلفة، شعر غريب، وكتابات وابداعات متفلتة من السائد في عالمهم السوريالي.
في الحدائق العامة كانوا يبحثون عن معنى لحياتهم، الشك بكل السلطات مبدأهم، لا يريدون غسل أدمغتهم في المراكز الدينية، يطمحون الى التواصل مع شباب العالم ليبنوا جسورا من المحبة واخوة عالمية عنوانها السلام والوقوف الى جانب الضعفاء.
كان تأثرهم بحركة «البيتكنس» الشعرية المتمردة واضحة وجلية، من رواد هذه الحركة كان الشاعر الشهير آلان غينسبرغ صديق الشاعر وليم كارلوس وليامز والروائي جاك كيرواك والمغني بوب ديلان، الصديق الذي قدم اغان من نوع جديد تمردا على الاغاني الاميركية التقليدية، ورافقه غينسبرغ في جولات موسيقية في تجمعات «الهيبز» في ولايات عدة.
الشعر كان حاضرا ،ايضا قراءات لقصائد في تجمعات جماهيرية في المدن والشواطىء الاميركية، كان التعبير عن لغتها المتميزة والمختلفة والمعبرة بارزة جدا في قصيدة «عواء» التي كتبها غينسبرغ. هنا نصها:
«أي أبي هول من الإسمنت والألمنيوم شظّى جماجمهَم وافترس أدمغتهم ومخيّلاتهم؟
مولوخ عزلةٌ! قذارةٌ! بشاعةٌ! براميلُ قمامة ودولاراتٌ بعيدةُ المنال! أطفالٌ يزعقون تحت السلالم!
صبية ينشجون في الجيوش! شيوخ ينتحبون في المنتزهات!
مولوخ! مولوخ! كابوس مولوخ! مولوخ سيّد البغضاء! مولوخ الفكري! مولوخ قاضي البشر الصارم!
مولوخ السجن العصيّ على الخيال! مولوخ الحبس الشاقّ بعلامةالموت ذي العظمتين المتقاطعتين وكونغرس المآسي! مولوخ الذي مبانيه يوم الدينونة! مولوخ الحجر الضخم للحرب! مولوخ الحكومات المصعوقة!
مولوخ الذي عقله آلية خالصة! مولوخ الذي دمُهُ مالٌ جارٍ! مولوخ الذي أصابعه عشرة جيوش! مولوخ الذي صدره دينامو آكلٌ لحومِ البشر! مولوخ الذي أذنُهُ قبرٌ يعلوه الدخان!
مولوخ الذي عيونه ألف نافذة عمياء! مولوخ الذي ناطحات سحابه تنتصبُ في الشوارع المديدة كعدد لانهائي من يهوه! مولوخ الذي مصانعه تحلم وتنعق في الضباب! مولوخ الذي مداخنه وهوائياته تتوّج المدن!
مولوخ الذي ولعه نفط وحجر بلا نهاية! مولوخ الذي روحه كهرباء ومصارف! مولوخ الذي فقره شبح العبقرية! مولوخ الذي قدره سحابة من الهيدروجين لا جنس لها! مولوخ الذي إسمه العقل!
مولوخ الذي فيه أقبع وحيداً! مولوخ الذي فيه أحلم بملائكة!
مصروع في مولوخ! مصّاص الذكور في مولوخ! محروم الحبّ ومخنّث في مولوخ!
مولوخ الذي باكراً اقتحم روحي! مولوخ الذي أنا فيه وعي بلا جسد! مولوخ الذي أرعبني وصدّني عن نشوتي الطبيعية! مولوخ الذي أهجره! أصحو في مولوخ! نور يشعّ من السماء!
مولوخ! مولوخ! شقق رّبوطات! ضواحي لامرئية! كنوز هياكل عظمية! رساميل عمياء! صناعات شيطانية! أمم وهمية! مستشفيات مجانين محصّنة! أعضاء ذكوريّة من الغرانيت! قنابل مَهُولة!
قصموا ظهورهم رافعين مولوخ إلى السماء! أرصفة، أشجار، راديوات، أطنان! رافعين المدينة إلى السماء التي تدوام على وجودها وتحيطنا من كل حدب وصوب!
رؤى! تكّهنات! هلوسات! معجزات! نشوات! غاصتْ في النهر الأميركي!
أحلام! عبادات! إشراقات! ديانات! حمولة المركب كلها من القذارات الحسّاسة!
إختراقات! على طول النهر! تشقلبات وحوادث صلب! غرقت في الطوفان!
سَكَراتٌ! أعيادُ غطاس! حالاتُ يأسٍ! صرخاتٌ حيوانية وإنتحارات لعشر من السنوات! عقولٌ! غراميات جديدة! جيلٌ مجنون! انهواءً على صخور الزمن!
قهقهة مقدّسة حقيقية في النهر! رأوها برمّتها! العيون الوحشية! الصيحات المباركة! قالوا الوداع! وثبوا من السقف! إلى العزلة! ملوّحين! حاملين زهوراً! هابطين إلى النهر! فالشارع».
ومولوخ الذي يتحدث عنه غينسبرغ هو حاكم البشرية الصارم الذي يدمر المعطيات الاكثر خيرا واصالة في الطبيعة.
كانت الحلقات الشعرية الحاشدة التي ينظمونها مهرجانا لحرية فكرية وجسدية لجيل من الشباب الاميركي المنفجر في ثورة سلمية ضد المجتمع والسياسة، شعرية حية هي موجة «الهيبز»، لم يعرف مثلها تاريخ اميركا المعاصر في تحولاته الاجتماعية احدثت هذه الظاهرة ما يشبه الزلزال. أسماء كثيرة من نخب ارتبطت بها امثال غاري ستايدر وغريغوري كورسو ولورنس فرلنفيتي وبيتر اورلوفسكي وكينيث ركسروت وروبرت دانكن ونيل كاسيدي ووليم بوروز.
في نص معبر كتب هيبي يدعى جيري روبن في العام 1791 بعنوان «ثورة من جانب الصخرة» يمكننا استشفاف ما كان يريده الشباب في ذلك الحين من المجتمع ومن آبائهم وأمهاتهم، إنهم بريدون الابتكار، يريدون شيئا جديدا، شيئا غير تقليدي: «يشاهد والدي بفخر منزله وسيارته، الة قص الاعشاب، أشياء تبرر حياته، كان يحاول ان يعلمنا بشكل جيد. كان يريد ان يجعلنا نؤمن بأن الحق يسير على الجانب الايمن من النجاح، اعملوا لا تلعبوا، ادرسوا لا تلهو، اطيعوا لا تطرحوا الاسئلة، اندمجوا لا تراقبوا، كونوا صارمين لا تدخنوا الحشيشة، اكسبا المال لا تؤلفوا القصص، لم نكن نعرف ما أصبح عليه، كيف وصل الى فهم الضرورة الصعبة لشراء الاشياء الاغلى ثمنا، من أجل قطع الاعشاب التي كانت تعلو اكثر بعد قصها، وكلما طالت كلما طال المقص الذي يستخدمه والدي لقطع الاعشاب، اصبح مجنونا، لم يعد بامكانه الامساك بها، انه صورة عن ايزنهاور الذي كان يقال عنه «papa gateau»، الآلات كانت تريد قتل طاقاتنا وأجسادنا الفتية».
يعكس هذا النص حالة الغليان الداخلي والرغبة في اطلاق العواطف واطلاق الامل والخروج من الوحدة، لقد سئم الشباب النظام القائم، مل من تكرار الاشياء نفسها المتوارثة ابا عن جد، كان الاهل يعتقدون انهم بحاجة الى القوة في تربية أبنائهم وإجبارهم على ممارسات اجتماعية لا ترضيهم. ربما كان الاهل بحاجة الى قليل من الحكمة لفهم تمردهم وعدم ادخالهم في النموذج او «النظام» أي ما يطلق عليه ال«system»، كان عناد الاهل واضحا، كانوا يريدون المزيد من المال والممتلكات، أهدافهم في الحياة كانوا يريدونها أهدافا لابنائهم، لكن لهؤلاء وجهة نظر مختلفة للحياة التي يريدونها، كانوا يريدون الاستماع الى موسيقى جديدة وتغيير افكار العالم.
ويمكن لكلمات أغنية جون لينون أحد مشاهير فرقة «البيتلرز» البريطانية التي عرفت شهرة غريبة ما زالت حتى اليوم، وسمي اعضاؤها بــ «الخنافس»، أن تكون خير معبر وهي اغنية «السلام والحب»، وهي العبارة التي كان كررها الهيبيون أكثر من مرة وكانت دعوة واضحة لممارسة الحب لا الحرب، لاسيما بالنسبة الى الهيبين الاميركيين الذين رفضوا دعوات المشاركة في الحرب ووقفوا ضد التجنيد الإلزامي، مما شكل صدمة للمتشددين الاميركيين اصحاب شعارات تفوق الوطن الأميركي.
وتقول كلمات أغنية لينون: «تصور الا يكون هناك ممتلكات، تساءل ان كنت تستطيع، لا حاجة الى الطمع أو الجوع، مجرد أخوة بين الناس».
رفع الهيبون علامة السلام باصابعهم على شكل «V»، وكان المرشح الديموقراطي للانتخابات الرئاسية الاميركية يوجين ماكارثي قد خاض حملته الانتخابية تحت شعار معارضة الحرب، مؤيدا من المتمردون.
ترافق شعار الحب والسلام الذي رفعوه مع شعار «زهرة القوة» ، وترمز الى السلطة، ولعل العالم لا ينسى اليوم تلك الصورة الشهيرة التي اظهرت شابا من الهيبز يحمل زهرة في احدى المواجهات مع ضباط الشرطة والحرس الوطني الاميركي وهم يوجهون اليه اسلحتهم وفي حالة استعداد كامل لاطلاق النار، كان رمز الزهرة تعبير عن الرغبة في حب الوطن وحب الجار ، وهذا ما يمكن تحقيقه من دون سلاح او عنف، بل بالحب فقط.
كان «الهيبيون» مقتنعون بان الغفران والتسامح ومحبة الجيران والسلام بين الدول هي مثل عليا قابلة للتنفيذ. تشبه الهيبيون بأشكالهم بشكل «السيد المسيح» الذين كانوا يعتبرونه «الهيبي الاول»، وكانوا يشيرون الى الافكار الجيدة في الدين المسيحي، لاسيما التسامح، وكانوا يميلون الى التأمل، كثيرون استكشفوا «البوذية»، مع انها ثقافة شرقية غريبة عن عالمهم الثقافي، لكنهم اغرموا بسحرها وحكمتها وأثرت بهم، كانوا يقربون المسافات بين الثقافتين الغربية والشرقية، وهذا ما دفع بحركتهم الى الانتشار في معظم بلدان أوروبا وفي الغرب العربي وكذلك في مصر ولبنان بأشكال مختلفة، اذ برزت فرقا موسيقية شبيهة بـ «فرقة الخنافس» وإن كانت لم تعرف النجاح والشهرة، وكان الهيبيون يتجمعون في بعض اماكن اللهو والسهر ويمارسون طقوسا بعيدا عن اعين الاهل، كثيرون من هؤلاء كان لديهم افكارا سياسية يسارية متطرفة، شاعت في أوساط الشباب، قبل ان تنتظم في اطارات حزبية ضيقة وتقضي عليها البيروقراطية وسياسة المصالح الشخصية.
اعتقد الهبيون ان الناس كانوا يذهبون الي الكنائس لاعتراف أو يصلون من أجل انقاذ بلادهم، كانوا يدركون ضمنا ان حرب فيتنام خطأ، وان الهيبين كانوا يسعون الي عالم افضل، خاليا من الكذب الاجتماعي، يسعون الى السعادة والمساوان والسلام».
مجموعات الهيبين انتشرفي في اليونان وتركيا والهند والمغرب وفرنسا والسويد والدانمرك وهولندا لتتحول الظاهرة الاميركية الى ظاهرة عالمية وتطبع عصر الستينات بطابعها. كانت الحدائق العامة والغابات مراكز لتجمعاتهم، هناك كانوا يعيشون حياتهم أحرار من كل القيود، يرفضون تلويث الطبيعة بمداخن المصانع التي تنتج ادوات الحرب الغنى.
رحلوا من بلد لآخر لينشروا افكارهم ضد المجتمعات الاستهلاكية، كانوا يحتقرون المجتمع الصناعي والربح المادي ويسعون الى عيش بدائي في تكافل مع الطبيعة.
مجموعات منهم كانت تعيش مع بعضها البعض شبانا وفتيات في منازل مهجورة، وتلاحق من قبل الشرطة بتهم السرقة والمخدرات والعلاقات غير الشرعية او المحرمة، لجاؤا الى الجبال والريف، انفصلوا عن الحياة المدنية، بعضهم ادرك لاحقا ان التجربة كانت اضغاث احلام، ضربا من الخيال.
ادرك البعض ان حاجته الى الاستقلالية والفردية لم تكن خطأ لكن المجتمع الذين لجاؤا اليه في الريف كان قاسيا عليهم وينبذهم، مما كان يصعب الامور في اقامة صلات جيدة، تسهل علاقات الجيرة. لم تفهم دعوتهم من قبل الريفيين وتحدياتهم لم تكن لتلقى صدى ايجابيا، لم يعرفوا ان دعوتهم للحياة والحرية لن تفهم في مجتمع محكوم بالنفاق والاغتراب والوحدة والملل.
في مهرجاناتهم التي اقاموها كسروا المحرمات، تلوا الشعر ضد الحرب، ظهروا عراة في مدينة ودستووك الاميركية في العام 9691، يسبحون نساء ورجالا على الشاطىء، صدمة أخرى للمجتمع، استخدمت صورهم في الاعلام ضد حقيقة اهدافهم، قوة «الميديا» الاعلامية للنظام لم تكن لصالهم على الاطلاق، لم يستطيعوا توضيح الصورة، بان ما كان يقومون به ليس مسألة اخلاقية، بل تعبيرا عن موقف.
اشهر الافلام السينمائية التي صورت تجربة «الهيبز» كان فيلم «hair» من إخراج المخرج الاميركي ميلوس فورمان، ظهر في العام 7791، شكل الفيلم ادانة واضحة لاميركا ضد حرب فيتنام والتجنيد الاجباري والموت استشهادا في بلاد غريبة.
بحثوا عن عالم جديد. مجموعات سافرت الى دول آسيا لاسكتشاف ثقافة الفقراء في الهند ونيبال وباكستان، هناك كانوا يسترخون، يتأملون ويمشون تحت المطر ويمارسون رياضة «اليوغا» الروحية.
تأثر الهيبون الاميركيون بكتابات غينسبرغ ووالت وايتمان، كتابات كانت تدعو الى تحرير الارادة والافكار، تروج للفوضى، وتحث على استكشاف الذات، تريد العالم من دون سلطة، لكن هل يعقل هذا؟!.
تميزت ملابسهم بالعودة الى الاصول، ارتدوا السترات الهندية والافغانية، وسروايل مطرزة، وتنانير مزهرة وملونة، ووضعوا النظارات وانتعلوا الصنادل المفتوحة، دون اكعاب، وتزينوا بالقلائد الجلدية وخواتم زجاجية، وعلقوا شاراتهم، اطال الشباب لحاهم وقصت الفتيات شعورها، ولالغاء التمييز بين الجنسين اطال الشباب شعورهم، باختصار كان لهم اسلوب في اللباس اي ما يسمى «style and look» يعبر عن غرابة اطوارهم، يكسرون من خلاله نمط اللباس العادي، ويظهرون بهيئة جميلة رغم غرابتها، لاسيما النساء اصحاب التنانير الواسعة المعرقة بالورود. كان لباسهم ايضا معبرا عن معارضتهم البرجوازية.
اما المخدرات التي كانوا يتناولونها فهي «الماريجوانا» و«الحشيشة» وحبوب الهلوسة المعروفة بــ «LSD» ولم تكن كافة مجموعات الهيبز تخوض تجربة المخدرات، لا بل ان تعاطيها كان نادرا في بعض المجموعات، فيما كانت هناك ظاهرة ادمان عند آخرين. عبر احد الهيبين عن الامر بالقول: «المخدرات هي دين القرن الحادي والعشرين»، واخر اعتبرها نوع من الوهم.
ربما كانت الموسيقى الفعل الاهم لدى الهيبز، في بداية السبعينات استمعوا الى موسيق« الروك والبلوز وللكلمات البسيطة والحساسة لفرقة البتلرز، وفرق اخرى اشتهرت مثل االبواب والبانك ورولينغ ستون التي كان مغنيها مايك جاغر.
في مهرجان مدينة وودستوك الذي استمر 3 ايام في صيف 96 الذي كان اكبر تجمع للهيبز حضره حوالي 000007 الف شخص من الولايات المتحدة واوروبا من اجل ان يروا ويستمعوا للموسيقى وليتحدثوا عن المواضيع التي تصل القلوب بعضها ببعض عن حقوق الانسان وعن المحبة.
تناولت وسائل الاعلام ظاهرة «الهيبز» كظاهرة إجتماعية، ولم يكن هناك بالاجمال نقد سلبي، بل محاولة لتحليل حركة احتجاج هامشية. ولاقت هذه الحركة انتقادات من قبل الثراياء لمجرد انها كانت معارضة لهم، وكان البعض ينتقد موقف الاهالي من اطفالهم الصغار الذين اسيئت معاملتهم.
هل يمكن اعتبار ظاهرة «الهيبز» ثورة ام تحدي؟.
لم يفهم الهيبيون لماذا تم اظهارهم فقط كأفراد متحررين جنسيا ومما صدم المجتمع تصويرهم في السينما والتلفزيون والاعلام على هذه الصورة وليس كمناهضين للعنف والحرب ومتبنين لافكار المقاومة السلمية كما كان يؤمن بها غاندي واللاعنف، وانهم كانوا مدركين بكل بساطة بأن الشكل الوحيد للعلاقة بين البشر هو الحب.
العديد من مجموعات «الهيبز» لاسيما في الولايات المتحدة الاميركية عملت على ضمان ايقاف الحرب في فييتنام والتخلي عن الالتزامات بهذه الحرب لان اهراق الدم يجب يتوقف.
ولهذه الغاية عملت نظمت اعتصامات تم قمعها بواسطة الهراوات من قبل الشرطة وتم حملة اعتقالات واسعة في صفوفهم، وكانت الشرطة تبحث عن تهم أمنية كي تلصقها بهم لابقائهم داخل السجن اكثر فترة ممكنة وتخويفهم وكذلك الضغط على اهاليهم